اسماعيل بن محمد القونوي
244
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
البيت العتيق للزيارة على الوجه المخصوص أي في زمان مخصوص بفعل مخصوص ومعنى الشرع هو المراد في أكثر المواضع لكونه حقيقة شرعا . قوله : ( بدل من الناس بدل البعض من الكل مخصص له ) بتقدير منهم وفائدته زيادة التقرير قوله مخصص له أي أن صدر الآية عام لمن استطاع ولمن لم يستطع فمخص بالبدل أي بكلام موصول غير مستقل ولما كان التخصيص بغير المستقل فالعام حقيقة في الباقي وحجة بلا شبهة . قوله : ( وقد فسر رسول اللّه عليه السّلام الاستطاعة بالزاد والراحلة وهو يؤيد قول الشافعي رضي اللّه عنه أنها بالمال ولذلك أوجب الاستنابة على الزمن إذا وجد أجرة من ينوب عنه وقال مالك رحمه اللّه أنها بالبدن فيجب على من قدر على المشي والكسب في الطريق وقال أبو حنيفة رحمه اللّه إنها بمجموع الأمرين ) أشار به هنا إلى أن المراد بالاستطاعة ما قد تقع على سلامة الأسباب والآلات « 1 » التي تعتمد صحة التكليف عليها لا الاستطاعة التي هي شرط حصول الفعل إذ هي مع الفعل لا قبله ولا بعده كما حقق في قوله : بدل من الناس أي مخصص له فيكون من استطاع بدل البعض من الكل . قوله : وقد فسر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الاستطاعة بالزاد والراحلة وهذا هو المروي عن ابن عباس وابن عمر وعليه أكثر العلماء وهذا الحديث أخرجه ابن ماجة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما وهو اعتبار للآلة لا غير وذلك لأن الاستطاعة عند المحققين عبارة عما يتمكن به من الفعل بنية مخصوصة للفاعل وتصور للفعل ومادة قابلة لتأثيره وآلة إن كان الفعل آليا فواجد تلك الأمور مستطيع مطلقا وفاقدها عاجز مطلقا وفاقد بعضها دون بعض مستطيع من وجه عاجز من وجه لكن وصفه بالعجز أولى لأن الاثبات يقتضي حصول جميع ما ينبغي بخلاف الانتفاء فإن فقد البعض يكفي فيه فلا يكون فاقد البعض مستطيعا واعتبر الشارع الآلة خاصة ولم يتعرض لذكر سائرها مع أنها لا بد منها في الاستطاعة للعلم بأن التكليف بدون الباقية مما لا يطاق . قوله : وقال مالك إنها بالبدن قال الإمام إن كل من كان صحيح البدن قادرا على المشي فإنه يصدق أنه مستطيع لذلك الفعل فتخصيص هذه الاستطاعة بالزاد والراحلة ترك لظاهر اللفظ فلا بد فيه من دليل منفصل ولا يمكن التأويل في ذلك على الاخبار المروية في هذا الباب لأنها أخبار آحاد فلا يترك لأجلها ظاهر الكتاب لا سيما وقد طعن محمد بن جرير الطبري في رواية تلك الأخبار وطعن فيها من وجه آخر وهو أن حصول الزاد والراحلة لا يكفي في حصول الاستطاعة فإنه يعتبر في حصول الاستطاعة صحة البدن وعدم الخوف في الطريق وظاهر هذه الأخبار يقتضي أن لا يكون شيء من ذلك معتبرا فصار هذه الأخبار مطعونا فيها من هذا الوجه بل يجب أن يعول في ذلك على ظاهر قوله : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] وقوله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] .
--> ( 1 ) من أن المراد سلامة الأسباب والآلات وأن المراد من القدرة والقدرة القدرة الممكنة كما صرح في الأصول .